‏إظهار الرسائل ذات التسميات انجيل متى. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات انجيل متى. إظهار كافة الرسائل

0033 الى 0043 الصلاة

الصلاة

5     «وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!
6     وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.
7     وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ.
8     فَلاَ تَـتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.
9     «فَصَلُّوا أَنْتُمْ هكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ.
10   لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذلِكَ عَلَى الأَرْضِ.
11   خُبْزَنَا كَفَافَـنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ.
12   وَاغْفِرْ لَــنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضًا لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا.
13   وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ، وَالْقُوَّةَ، وَالْمَجْدَ، إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.
14   فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضًا أَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ.

15   وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضًا زَّلاَتِكُمْ.









0032 الى 0033 الصدقة

      «اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.
2     فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!
3     وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ،
4     لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.




0031 الصدقة

فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ!
When then you give money to the poor, do not make a noise about it, as the false-hearted men do in the Synagogues and in the streets, so that they may have glory from men. Truly, I say to you, They have their reward.


0030 الصدقة










«اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.



Take heed that ye do not
your alms before men, to be seen of them: otherwise ye have no reward of your Father whichis in heaven.




0027 الى 0029 محبة الأعداء

محبة الأعداء

43   «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ.
44   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،
45   لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ.
46   لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟
47   وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟

48   فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.



0026 المحبة

محبة الأعداء

43   «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ.
44   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،
45   لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ.
46   لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟
47   وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْل تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ هكَذَا؟

48   فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ.


0026 محبة الأعداء

محبة الأعداء

43   «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ.
44   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،

45   لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ.






ولكن عندما دعانا ابن الله الوحيد نفسه إلى هذه البنوة، إنما دعانا للتشبه به لذلك قال:

فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين.

ولكن ما هي هذه الشمس؟! إما أن تكون شمسًا غير منظورة للعين الجسدية، أي تلك الحكمة التي قيل عنها أنها "ضياء النور الأزلي" (حك 26:7)، كما قيل عنها "شمس البرً تشرق عليَّ" وأيضًا: "لكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البرّ" (مل 4: 2).

وبالمثل يكون المطر غير منظور، قاصدًا به تعاليم الحق واروائها لنفوسنا، لأنالسيد المسيح جاء للصالحين والأشرار، وبُشّر به للأبرار والظالمين.

وإما أن تكون هي تلك الشمس المنظورة التي تراها جميع المخلوقات، كذلكالمطر يكون هو ذلك المطر المنظور الذي عليه تنمو النباتات التي تقّوت الجسد. وهذا التفسير أظنه أكثر احتمالًا، لأن الشمس الروحية لا تشرق سوى على الصالحين والقديسين، إذ نرى في سفر الحكمة الأشرار يبكون قائلين: "لم تشرق علينا الشمس" (حك 6:5)، كما لا يروي المطر الروحي غير الصالحين، لأنه قصد بالشرير تلك الكرمة التي قيل عنها: "وأوصي الغيم أن لا يمطر عليهِ مطرًا" (إش 6:5).

ولكن سواء فهمنا الشمس والمطر بمعنى أو بآخر، فلنقتدِ بصلاح الله، إذ أمرنا بمشابهته إن كنا نريد أن نكون أبناء له.



أين ناكر المعروف هذا الذي لا يشعر بعظم نعمة هذه الحياة التي تجلبهاالشمس المنظورة والمطر المادي؟ إن هذه النعمة توهب في هذه الحياة للجميع، للأبرار كما للأشرار.



غير أنه لم يقل "يشرق الشمس" بل أضاف علامة الملكية (شمسه)، أي التي صنعها وأوجدها، دون أن يأخذها من أحد، وذلك كما جاء في سفر التكوين عند خلقه الكواكب. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام المقالات والكتب الأخرى). إنه يليق بالله أن يقول عن كل ما خلقه أنه ملكه. فبوصيته هذه ينصحنا أن نكون أسخياء في إعطاء أعدائنا الأشياء التي لم نخلقها نحن، بل أعطيت لنا من الله.

ولكن من يستطيع أن يكون مستعدًا لاحتمال شرور الآخرين لأجل خلاصهم، بل ويحتمل شرورًا مضاعفة لأجل نفعهم، بل ومن يستطيع أن يعطي كل من يسأله أو يستطيع ألا يرد من يريد أن يقترض منه، ومن يستطيع أن يحب أعداءه ويحسن إلى مبغضيه ويصلي لأجل الذين يطردونه... أقول من يستطيع تنفيذ هذه الأمور غير الشخص الرحيم تمامًا؟! متممًا بذلك القول الإلهي "إني أريد رحمة لا ذبيحة". لذلك "طوبى للرحماء لأنهم يرحمون".

0025 محبة الأعداء

محبة الأعداء

43   «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ.

44   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ،





"سمعتم أنه قيل: تحبُّ قريبك وتبغض عَدُوَّك. وأما أنا فأقول لكم أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناءَ أبيكم الذي في السماوات. فإنه يشرق شمسهُ على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين. لأنهُ إن أحببتم الذين يحبونكم فأيُّ أجرٍ لكم. أَليس العَشَّارون أيضًا يفعلون ذلك. وإن سلَّمتم على إخوتكم فقط فأيَّ فضل تصنعون. أَليس العَشَّارون أيضًا يفعلون هكذا. فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل".



ولكن من أين لنا القدرة على احتمال كل تلك الأضرار السابق الإشارة إليها، إلا إذا كنا قد نفذنا أوامر السيد المسيح بمحبتنا لأعدائنا ومضطهدينا؟ فإن كمال الرحمة والمحبةوالاحتمال لا يمكن أن يمتد إلى أكثر من الأعداء.


 لذلك اختتم رب المجد ذلك بقوله: "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل؟" على أنه ينبغي أن نذكر أن كمال الله يختلف عن كمال نفوسنا كبشر.

0024 العطاء


42   مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ.


لا يكتفي رب المجد بعدم مقاومتنا للشر، بل يأمرنا بصنع الخير ما أمكن، لذلك أردف قائلًا: "من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده".

إن رب المجد يقول "من سألك" وليس "كل شيء يسأله منك"، حتى يكون عطاؤنا للسائلين بحكمة واستقامة. لأنه هل تعطي لمن يسألك مالًا كي يستخدمه في صنع الشر بأخيه، أو يصنع به أمرًا نجسًا؟

إذًا بالتأكيد رب المجد يقصد أن نعطي، عندما لا يكون العطاء سببًا في ضرر لنا أو للسائل، وذلك بقدر فهمنا وإذا كنا وعلينا قبل أن نرفض العطاء(الضار) أن نوجه السائل إلى الحق، وبذلك نكون قد قدمنا له شيئًا أفضل مما يطلب.

0023 الانتقام

الانتقام

38   «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ.
39   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضًا.
40   وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضًا.

41   وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. 



حينما يطالبنا السيد المسيح أن لا نقاوم الشر فليس معنى ذلك أن الشر هو الذي ينتصر في النهاية، بل لابد أن ينتصر الخير مهما بدا للشر أنه قد انتصر. ولكن المسألة هي أن لا يجرفنا تيار الشر إلى العنف المتبادل فنقع في العنف ونفقد المحبة نحو الآخرين. لهذا قال الكتاب"لا يغلبنك الشر، بل اغلب الشر بالخير،فإن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه. لأنك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه" (رو12: 21، 20).


0022 القَسَم

القَسَم

33   «أَيْضًا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ:لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ.
34   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا الْبَتَّةَ، لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اللهِ،
35   وَلاَ بِالأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ.
36   وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ.

37   بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذلِكَ فَهُوَ مِنَ الشِّرِّيرِ.





أيضًا سمعتم أنهُ قيل للقُدَماءِ لا تحنث بل أوفِ للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لك لا تحلفوا البتَّة. لا بالسماء لأنها كُرسيُّ الله. ولا بالأرض أنها مَوطِئُ قدميهِ. ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك العظيم. ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن تجعل شعرةً واحدةً بيضاءَ أو سوداءَ. بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشّرِّير.

بر الفريسيين عدم الحنث بالقسم، أما بر ملكوت السماوات فهو عدم القسم البتة، وبالتالي عدم الحنث بالقسم. فالذي لا يتكلم قط لا يتكلم باطلًا، هكذا من لا يحلف قط لا يحنث بقسم أبدًا.

ولكن ماذا نقول عن الرسول بولس الذي كثيرًا ما يجعل الله شاهدًا على صدق أقواله. إذ يقول:

+ "والذي أكتب بهِ إليكم هوذا قدام الله أني لست أكذب فيهِ" (غلا20:1)

+ "الله أبو ربّنا يسوع المسيح الذي هو مبارك إلى الأبد يعلم أني لست أكذب"(2كو31:11).

+ فإن الله الذي أعبدهُ بروحي في إنجيل ابنهِ شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم" (رو9:1).

إنه من المضحك أن نقول بأن الرسول لم يقسم، لأنه لم ينطق بكلمات القسم مثل "بالله" بل قال "الله شاهد"، وحتى لا يظن أحد أن هناك خلافًا بين التعبيرين، أقول لقليلي الفهم بأنالرسول أقسم بهذه الطريقة أيضًا، إذ يقول "إني بافتخاركم... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام المقالات والكتب الأخرى). أموت كل يومٍ" (1كو31:15). لا يظن أحد أن الرسول قصد بهذه العبارة أن افتخارهم يجعله يموت كل يوم. والذي يحسم النزاع في هذا الأمر هو النص اليوناني لكلمة "بافتخاركم" حيث تعتبر اصطلاحا يعبر به عن القسم.

لهذا فإن رب المجد أمر بعدم القسم، حتى لا يسعى أحد إلى القسم كأنه شيء صالح، لأن في سعيه هكذا يعتاد على القسم وبالتالي يحنث بقسمه.

لذلك فمن يفهم "القسم" على أنه ليس أمرًا صالحًا، بل يستخدمه للضرورة القصوى، أن يكف ما استطاع عنه، ولا يتفوه به إلا في حالة الضرورة القصوى، حين لا يصدقه المستمعون له بدون قسم، ويكون حديثه نافعًا لهم (أي ليس لفائدة من يقسم بل للمستمعين). وقد أشار رب المجد إلى ذلك بقوله "ليكن كلامكم نعم نعم لا لا" فمن يقول هكذا يكون قد صنع شيئًا صالحًا، لأن "ما زاد عن ذلك فهو من الشرير" أي لا ينطق بالقسم إلا في حالة الضرورة النابعة من الشرير، أي الناتجة عن ضعف الآخرين ونحن نصلي يوميًا لكي ينجينا الرب من الشرير(مت13:6).

إن رب المجد لم يقل "ما زاد عن ذلك شرير"، لأن من يقسم لا يكون قد صنع شرًا، إذ القسم في ذاته ليس صلاحًا ولا شرًا، وإنما ضرورة لإقناع الضعفاء من أجل نفعهم، بل قال فهو من الشرير أي ناتج عن شر من يقسم لأجله.



لا يستطيع أحد غير المختبرين أن يدرك صعوبة التخلص من عادة القسم، وأن يدرك كيف يصعب على من اعتاد على القسم ألا يقسم بتهور.

0021 الطلاق

الطلاق

31   «وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق.
32   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِــي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِـي.



وقيل مَنْ طلَّق امرأته فليُعطِها كتاب طلاق. أما أنا فأقول لكم أن مَنْ طلَّق امرأته إلاَّ لعِلَّة الزنى يجعلها تزني. ومَنْ يتزوَّج مطلَّقةً فأنهُ يزني.

فالشريعة الموسوية لم تأمر بالطلاق، بل أمرت من يطلق امرأته أن يعطيها كتاب طلاق، لأن في إعطائها كتاب طلاق ما يهدئ من ثورة غضبالإنسان. فالرب الذي أمر قساة القلوب بإعطاء كتاب طلاق أشار إلى عدم رغبته في الطلاق ما أمكن.

لذلك عندما سئل الرب نفسه عن هذا الأمر أجاب قائلًا "إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أَذِنَ لكم" (مت8:19)، لأنه مهما بلغت قسوة قلب الراغب في طلاق زوجته، إذ يعرف أنها بواسطة كتاب الطلاق تستطيع أن تتزوج من آخر، لذلك يهدأ غضبه ولا يطلقها.

ولكي ما يؤكد رب المجد هذا المبدأ - وهو عدم طلاق الزوجة باستهتار - جعل الاستثناء الوحيد هو علة الزنا. فقد أمر بضرورة إحتمال جميع المتاعب الأخرى (غير الزنا) بثبات من أجل المحبة الزوجية ولأجل العفة. وقد أكد رب المجد نفس المبدأ بدعوته من يتزوج بمطلقة زانيًا.

شرح الرسول هذا الأمر قائلًا بأن الزوجة تكون مرتبطة ما دام رجلها حيًا، ولكن إن مات رجلها فيسمح لها بالزواج. وفي هذه المسألة لم يذكرالرسول رأيه الخاص - كما في بعض نصائحه - بل يوصي بأمر الرب، وذلك بقوله "وأما المتزوّجون فأوصيهم لا أنا بل الربُّ أن لا تفارق المرأَة رجلها.. ولا يترك الرجل إمرأَتهُ" (1 كو10:7، 11). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام المقالات والكتب الأخرى). أعتقد أنه بنفس القاعدة إذا ترك الرجل زوجته. ربما أن الترك يكون بسبب الزنا - ذلك الاستثناء الوحيد الذي أراده الرب - لذلك فلا يسمح للمرأة أن تتزوج ما دام رجلها حيًا ولا للرجل أن يتزوج ما دامت المرأة التي طلقها حية.




68- كتاب الطلاق







بعد الحديث عن العفة في نظرة الرجل نحو المرأة، والبعد عن الشهوة التي تدنس الحواس، بدأ السيد المسيح يتكلم عن شريعة الزواج في المسيحية "وقيل من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى" (مت5: 31، 32).

يبدو أن شريعة العهد القديم قد أوصت الرجل أن يمنح زوجته كتاب طلاق إذا أراد أن يطلقها، لكي يثبت بدليل قاطع أنه قد طلقها، وأصبح من حقها أن تتزوج بغيره بعد مدة مناسبة.

وذلك لئلا يعود فيدعى أنه لم يطلقها ويتهمها بالزنى مع رجلها الجديد ويضعها تحت حكم الشريعة الموسوية التي تعاقب بالقتل من كانت متزوجة وأخطأت بالزنى مع رجل آخر.

كذلك فإن كتاب الطلاق كان يمنع حدوث مشاكل بشأن نسب الأطفال الذين يولدون منها عندما يصعب إثبات موعد انفصال زوجته عنه. ولكن كتاب الطلاق يحدد التاريخ.

ومن جهة أخرى فإن الكتابة تستغرق جهدًا ووقتًا أكثر من الكلام، كما يحتاج إلى شهود يوقعون عليه. وكل ذلك يعطى للزوج فرصة لمراجعة نفسه قبل أن يدخل الطلاق في حيز التنفيذ.

كان من حق الرجل أن يعيد امرأته بعد تطليقها بعقد زواج جديد طالما أنها لم تتزوج برجل آخر. وقد منعت الشريعة الموسوية بحزم أن يستعيد الرجل زوجته إذا تزوجت برجل آخر ثم طلقها هذا الزوج الجديد أو مات، وقال الرب في ذلك: "إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته. ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر. فإن أبغضها الرجل الأخير وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها، وأطلقها من بيته أو إذا مات الرجل الأخير الذي اتخذها له زوجة. لا يقدر زوجها الأول الذي طلقها أن يعود يأخذها لتصير له زوجة بعد أن تنجست. لأن ذلك رجس لدى الرب. فلا تجلب خطية على الأرض التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا" (تث24: 1-4).



كان قصد الرب في ذلك أنه لا يجوز أن يعطى الرجل زوجته لرجل آخر عن طريق تطليقها، ثم يعود ويأخذها مرة أخرى لتصير له زوجة. إما أن يحفظ زوجته لنفسه قبل أن يطلقها أو قبل أن يأخذها رجل آخر لنفسه، وإما أن يفقدها إلى الأبد كزوجة، لأنه لم يكن أمينًا عليها في حفظها من الارتباط بأزواج آخرين ولم تعد تحل له.

الرب في علاقته بالبشر قيل عنه: "إن كنا غير أمناء فهو يبقى أمينًا لن يقدر أن ينكر نفسه" (2تى2: 13). إنه "يريد أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" (1تى2: 4). وقال: "من يقبل إلىّ لا أُخرجه خارجًا" (يو6: 37) و"الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب" (يو17: 12). أي أن الرب لا يفرط في شعبه طالما أن شعبه متمسك به.



من أجل قساوة قلوبكم



سألوا السيد المسيح "لماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق"؟! (مت19: 7). فأجابهم قائلًا: "إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم. ولكن من البدء لم يكن هكذا.وأقول لكم إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزنى. والذي يتزوج بمطلقة يزنى" (مت19: 8، 9).

حينما شرح السيد المسيح سبب منع الطلاق إلا لعلة الزنى في شريعة العهد الجديد تكلم عن قصد الله في تكوين الأسرة في بداية الخليقة. وقال عن الطلاق الذي سمح به موسى "من البدء لم يكن هكذا" بل شرح باستفاضة أكثر حينما سأله الفريسيون: "هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرًا وأنثى؟ وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا. إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد. فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان" (مت19: 3-6).

لقد تزايدت القساوة في قلب الإنسان حتى أن الرب سمح للرجل أن يطلق امرأته خوفًا عليها من شدة قسوة الرجل الذي ربما يصل به الأمر أن يقتلها إذا كرهها كراهية شديدة.. أو ربما تقتل هي نفسها تخلصًا من قساوة رجلها.. أو قد تتعرض للغواية من رجل آخر يمنحها الحب والحنان في مقابل القسوة التي يعاملها بها زوجها.


كتاب شريعة الزوجة الواحدة في المسيحية
وأهم مبادئنا في الأحوال الشخصية
البابا شنودة الثالث

http://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/His-Holiness-Pope-Shenouda-III-Books-Online/09-Al-Zoga-Al-Wahda-in-Coptic-Church/Monogamy-in-Christianity-00-index.html



0020 الزنــا

الزنــا

27   «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ.
28   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.
29   فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ.

30   وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ.





"قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تزن،

وأما أنا فأقول لكم إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها

فقد زنى بها في قلبه" [27-28].

يقول القديس أغسطينوس: [إن الخطيّة تكمل على ثلاث مراحل: إثارتها، التلذّذ بها، ثم إرضائها[229].] فإن كان الناموس قد حرّم إرضاء الخطيّة أي تنفيذها، فإن السيّد المسيح جاء ليقتلع جذورها بمنع الخطيّة من المرحلة الأولى. إن كانت الخطيّة تبدأ بالإثارة خلال النظرة الشرّيرة، ليتقبّلها الفكر ويتلذذ بها ثم تدخل إلى الإرضاء بالتنفيذ العملي، فإنه يسهل على المؤمن أن يواجهها في مرحلتها الأولى قبل أن يكون لها موضع في الذهن أو لذّة خلال الممارسة للخطأ.

* يجب أن نلاحظ أنه لم يقل "من اشتهى امرأة"، بل "من ينظر إلى امرأة ليشتهيها" أي ينظر إليها بهذه النيّة، فهذه النظرة ليست إثارة للذّة الجسديّة بل تنفيذًا لها، لأنه بالرغم من ضبطها فستتم لو سمحت الظروف بذلك[230].

القديس أغسطينوس

* لم يخلق الله لك عينيّن لكي تدخل بهما إلى الزنا، وإنما لكي برؤيتك خلائقه تعجب...

* إن رغبت أن تنظر بلذّة فتطلّع إلى زوجتك وحبّها باستمرار، فإن الشريعة لم تمنعك من هذا. أمّا إن كنت محبًا للاستطلاع نحو جمال من هنّ لغيرك، فإنك بهذا تؤذي زوجتك، لأن عينيّك تجولان في كل موضع، وتؤذي من تتطلّع إليها بالاقتراب منها بطريقة دنسة. فإنك وإن كنت لا تمسّها بيديك لكنك تلاطفها بعينيّك فيحسب ذلك زنا... ليست هي التي صوّبت سهمها إليك، وإنما أنت الذي سبّبت لنفسك حرجًا مميتًا بنظرك إليها[231].

القديس يوحنا الذهبي الفم

* الله دائمًا يقطع جذور الخطايا بطريقة عجيبة، فإذ يقول: "لا تزن" (خر 20: 14) يقول أيضًا "لا تشته"، لأن الزنا هو ثمرة الشهوة التي هي جذرها الشرّير[232].

القدّيس إكليمنضس السكندري

إذ يتحدّث السيّد عن الشهوة والنظرة يتطرّق إلى الحديث عن العثرة، قائلًا: "فإن كانت عينك اليُمنى تعثّرك فاقلعها واِلقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يُلقي جسدك كلّه في جهنّم، وإن كانت يدك اليُمنى تعثّرك فاقطعها واِلقها عنك، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يُلقي جسدك كلّه في جهنّم" [29].

* من يتعثّر بعينه اليُمنى يسقط بالتأكيد في ذات الشرّ بعينه اليُسرى أيضًا. إذن لماذا أشار إلى العين اليُمنى كما أضاف إليها اليد؟ إنّما لكي يظهر أنه لا يتحدّث عن الأعضاء بل على من هم أقرباء لنا.

القديس يوحنا الذهبي الفم[233]

* إن كنّا نحتاج إلى شجاعة عظيمة لبتر أحد أعضائنا، لذلك فهو يقصد بالعين شيئًا محبوبًا، فلقد اعتاد الراغب في التعبير عن محبّته لآخر أن يقول: "إنّني أحبّه كعينيّ أو حتى أكثر من عينيّ"، لذلك ربّما قصد الرب من العين شدّة المحبّة...

ليس هناك تفسير للعين اليُمنى أكثر ملاءمة من أن يقصد بها الصديق المحبوب حبًا شديدًا، الذي تصبح علاقته كعلاقة العضو بالجسد. هذا الصديق يكون مشيرًا حكيمًا لصاحبه، كما لو كان عينًا يرى بها الطريق، ويكون مشيرًا مخلصًا في الأمور الإلهيّة، لأنه عين يُمنى. أمّا العين اليُسرى فتُشير إلى صديق يُشير في الأمور الخاصة باحتياجات الجسد، الذي لا يلزم الحديث عنه كعثرة مادامت العين اليُمنى أهم من اليُسرى (أي أنه إذا أعثرتنا العين اليُمنى نقلعها، فكم تكون اليُسرى إن أعثرتنا). ويكون المشير عثرة إذا قاد صاحبه إلى هرطقة خطيرة في زيّ التديّن والتعليم.

أما اليد اليُمنى فإنها تُشير إلى الشخص الذي يساعد ويعمل في الأمور الروحيّة. فالتبصُّر في الأمور الروحيّة له مكانه العين اليُمنى، كذلك العمل في الأمور الروحيّة له مكانه اليد اليُمنى، وبالتالي فاليد اليُسرى تعني الأمور الضروريّة لاحتياجات الجسد[234].


                                       القديس أغسطينوس   




0019 الغضب

الغضب

21   «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ.
22   وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ.
23   فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى الْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئًا عَلَيْكَ،
24   فَاتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ الْمَذْبَحِ، وَاذْهَبْ أَوَّلاً اصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ.
25   كُنْ مُرَاضِيًا لِخَصْمِكَ سَرِيعًا مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِــي، وَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِــي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي السِّجْنِ.

26   اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِـيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ!



قد سمعتم أنهُ قيل للقُدَماءِ لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحُكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيهِ باطلًا يكون مستوجب الحُكم. ومن قال لأخيهِ رَقا يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم.



ما الفارق بين "يكون مستوجب الحكم"، "يكون مستوجب المجمع"، "يكون مستوجب نار جهنم"؟ لأن هذه العبارات صعبة للغاية، فهي تذكرنا بمراحل مختلفة تتدرج بما هو أخف إلى ما هو ثقيل حتى تبلغ إلى نار جهنم. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام المقالات والكتب الأخرى). فإن كان الاستحقاق للحكم أخف من الاستحقاق للمجمع، وهذا الأخير أخف من الاستحقاق لنار جهنم، فينبغي لنا أن نفهم الغضب على الأخ باطلًا أقل من القول "رقًا"، وهذا الأخير أقل من "يا أحمق"، لأن الحكم لا يكون متدرجًا ما لم يكن الخطأ متدرجًا كذلك




=======


قال السيد المسيح: "قد سمعتم أنه قيل للقدماء لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلًا يكون مستوجب الحكم. ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم" (مت5: 21، 22).

لم يعد القتل في شريعة الكمال هو القتل المادي المحسوس فقط، بل امتد إلى القتل الأدبي والمعنوي. وكذلك القتل الجزئي. وقد شرح قداسة البابا شنودة الثالث-أطال الرب حياة قداسته- ذلك بالتفصيل حينما تكلم عن وصية لا تقتل في تفسيره للوصايا العشر. وجاء شرح قداسة البابا بصورة عميقة جدًا في مفهوم الوصايا وأبعادها كقول المرنم: "لكل تمام رأيت منتهى أما وصاياك فواسعة جدًا" (مز118: 96).

يقول الكتاب في العهد الجديد "كل من يبغض أخاه فهو قاتل نفس" (1يو3: 15).

البغضة والكراهية لا تتفق مع نقاوة القلب "والقداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" (عب12: 14).

والبغضة تقود إلى الغضب، أما المحبة فتقود إلى الوئام. لذلك قال السيد المسيح: "من يغضب على أخيه باطلًا يكون مستوجب الحكم".

هناك غضب مقدس لازم وضروري في مواجهة الشرور داخل الكنيسة. له وقته ولا ينبغي أن يستخدم لغير ضرورة حقيقية وبالدرجة التي تتناسب مع ذنب المخطئ. لكي يشعر بخطئه إن لم ينفع معه النصح الهادئ.

وهذا النوع من الغضب قد يكون بالتوبيخ الممتزج بالمحبة، أو بالتأديب المباشر أو غير المباشر. وله أساليبه التي تتوشح بالحكمة والوداعة والتصرف الحسن
.



العلاج من الجذور

جاء السيد المسيح ليعالج الخطية من جذورها. من الداخل. فالقتل هو النتيجة النهائية للغضب والسخط والمشاحنات والكراهية.

لذلك لا يكفى أن يمتنع الإنسان عن القتل المنظور، ولكن ينبغي أن يسلك في المحبة، ويبتعد عن القتل غير المنظور.

لا يكفى حتى أن يبتعد عن العنف الخارجي، بل ينبغي أن يبتعد عن العنف الداخلى مثل الغيظ المكتوم والحقد والرغبة في الانتقام أو التشفي.

إن الوصية الأولى والعظمى عند الله هي محبة الله من كل القلب، والوصية الثانية مثلها محبة القريب كالنفس. وقال السيد المسيح بهذا يكمل الناموس والأنبياء.

كانت وصايا اللوح الأول من لوحيّ الوصايا العشر هي وصايا محبة الله.

وكانت وصايا اللوح الثاني هي وصايا محبة القريب.

المجموعة الأولى عددها أربعة لأنها تشير إلى عرش الله يحمله الأربعة أحياء غير المتجسدين. وتشير إلى الصليب بأذرعه الأربعة باعتباره العرش.

والمجموعة الثانية عددها ستة لأنها تشير إلى كمال العمل، وإلى أن السيد المسيح قد صلب في اليوم السادس وفي الساعة السادسة ليظهر لنا كيف تكون المحبة.

وحينما نسلك في محبة الله الذي افتدانا، ونتشبه به ونحب القريب، بهذا تكمل المحبة.

فبإجماع الوصايا الأربع مع الوصايا الست يكمل العدد عشرة، أي نصل إلى الكمال العددي الذي يشير إلى كمال الوصية.


0018 إِكمال الناموس

إِكمال الناموس

17   «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ.
18   فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.
19   فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هذِهِ الْوَصَايَا الصُّغْرَى وَعَلَّمَ النَّاسَ هكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهذَا يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ.

20   فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّماوَاتِ.












58- ما جئت لأنقض بل لأكمل


 بعد أن عدّد السيد المسيح التطويبات الرائعة ودعوته لتلاميذه أن يكونوا ملحًا للأرض ونورًا للعالم، انتقل في موعظته الخالدة إلى مجال آخر من التعليم: وهو شرح علاقة وصايا العهد الجديد بوصايا العهد القديم، وعلاقة ما كتبه الأنبياء في العهد القديم بما سوف يُكتب في الأناجيل المقدسة وباقي أسفار العهد الجديد فقال: "لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل" (مت5: 17).
الله هو هو نفسه الذي أعطى شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد.. الذي تكلم مع موسى على جبل سيناء هو نفسه الذي تكلم مع التلاميذ في الموعظة على الجبل.. الله لم يتغيّر على الإطلاق، ولكن حال الإنسان هو الذي تغيّر بمجيء المخلص. كقول إشعياء النبي "الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا" (إش9: 2).
لم يقصد السيد المسيح أن ينقض شريعة العهد القديم، بل احتفظ بكل جوهرها.. لهذا قال بفمه الإلهي: "ما جئت لأنقض بل لأكمّل" (مت5: 17).
ففي وصية "لا تزن" (خر20: 14، تث5: 18) التي قيلت للقدماء، لم يكتف السيد المسيح بعدم الزنى الفعلي بل قال"كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه" (مت5: 28).
أي أن الإنسان ينبغي أن يتحرر من الخطية من الداخل، وليس من الخارج فقط. لأن السيد المسيح قد جاء ليحرر الإنسان من سبى الخطية، ومن عبودية الشيطانوتأثيراته. وقال للجميع: "إن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا" (يو8: 36).

الحرية الكاملة من الخطية داخليًا وخارجيًا يلزمها عطية النعمة التي منحها الله لأولاده في العهد الجديد.

شريعة الكمال

وصايا العهد الجديد هي كمال الوصية، ولذلك تطلق الكنيسة على السيد المسيح (مشرع شريعة الكمال وواضع ناموس الأفضال).
إن وصية عدم الزنى الفعلي؛ تطوّرت إلى عدم الزنا لا بالفعل ولا بالفكر.
ووصية عدم القتل؛ تطوّرت إلى وصية عدم الغضب وعدم الكراهية في القلب.
ووصية عدم الحنث بالقسم؛ تطوّرت إلى وصية عدم القسم على الإطلاق.
ووصية محبة القريب وبغض العدو؛ تطوّرت إلى وصية محبة الأعداء، والإحسان إليهم، والصلاة من أجل خلاصهم من الهلاك الأبدي وعبودية الشيطان. واتسع مفهوم القريب إلى كل إنسان في البشرية، وانحصر مفهوم بغضة العدو في بغضة الشيطان والشر بصفة عامة.
ووصية من طلق امرأته (لأي سبب) فليعطها كتاب طلاق؛ تطوّرت إلى عدم السماح بالطلاق بين زوجين مسيحيين إلا لعلة الزنا.. ولا زواج للمطلقين لخطئهم.
لقد عاشت البشرية في ظل شريعة الناموس وهى شريعة الجسد أو شريعة العبودية زمنًا طويلًا حتى جاء السيد المسيح وأعطى شريعة البنوة التي هي شريعة الكمال. وإلا فما فائدة تجسد ابن الله الوحيد ومجيئه إلى العالم وصلبه وموته وقيامته وإرساله الروح القدس لتولد الكنيسة في يوم الخمسين؟!
البعض ينتقدون شريعة العهد القديم. ولكن هذا النقد غير لائق. لأن الإنسان لم يكن يحتمل أن يحيا حسب شريعة الكمال بدون الفداء، والميلاد الفوقاني، ومعونة الروح القدس وعمله في أسرار الكنيسة السبعة.
الوصية مقدسة؛ ولكن الإنسان لم يكن بإمكانه أن ينفذ أكثر مما ورد في شريعة موسى قبل إتمام الفداء.
ربما توجد لمحات أو تجليات في ظروف خاصة أشارت إلى حياة العهد الجديد مثل امتناع داود الملك الممسوح عن قتل شاول الملك المرفوض، الذي كان يطارده بغية قتله؛ لأنه قال: "حاشا لي من قِبل الرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب" (1صم26: 11). ولكن داود النبي في موقف آخر قتل قائدًا مخلِصًا من قواده في الجيش هو "أوريا الحثي" في محاولة منه لإخفاء خطيته مع بتشبع زوجة أوريا (انظر 2صم 11).
لم يكن من الممكن أن يُطالب الله البشر من أبنائه بحياة الكمال وبوصايا الكمال إلا في عهد النعمة والمصالحة والخلاص والتجديد.
كيف يطالب الله الإنسان بمحبة الأعداء، قبل أن يمنحه قلبًا جديدًا نقيًا مؤيدًا بقوة الروح القدس الذي يمنح الإنسان المتمتع بالخليقة الجديدة ثمرة المحبة. لأن "ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان" (غل5: 22).
إن ثمرة المحبة التي يمنحها الروح القدس للإنسان هي ثمرة فائقة للطبيعة بقدرات فائقة لا يقوى عليها البشر العاديون. ولكن ينالها المؤمنون الذين يقبلون الروح القدس بعد التجديد بحميم الميلاد الجديد.

تجديد الروح القدس

 تكلّم معلمنا بولس الرسول عن حالة الإنسان في العهد الجديد الذي يؤمن إيمانًا حقيقيًا بالمسيح وينال العماد المقدس بواسطة الكنيسة وينقاد بالروح القدس، متحررًا من الإنسان العتيق الذي ولد به بحسب الجسد من أبويه؛ فقال في رسالته إلى تلميذه الأسقف تيطس: "ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغُسْل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس الذي سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا" (تى3: 4-6).
هذا هو السر في وصايا العهد الجديد: إن الإنسان بنيله البنوة لله والتجديد بالميلاد الفوقاني، وبثباته في المسيح بوسائط النعمة، يستطيع أن يسلك في شريعة الكمال المسيحي. ويتحقق فيه قول السيد المسيح: "كونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل" (مت5: 48)، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وكذلك قول معلمنا بطرس الرسول: "نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضًا قديسين في كل سيرة" (1بط1: 15).
إن الرب لم يتغيّر بين العهد القديم والعهد الجديد. ولكن الإنسان هو الذي تغيّر وهكذا كان يلزم أن تأتى الوصية في كمالها بعد حدوث التغيير لأن "المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح" (يو3: 6).
في العهد القديم كان الناموس والكهنوت اللاوي والذبائح الحيوانية، وفي العهد الجديد جاءت وصايا الكمال والكهنوت المسيحي والذبيحة الكاملة لابن الله الوحيد "فإن الناموس يقيم أناسًا بهم ضعف رؤساء كهنة. وأما كلمة القسم التي بعد الناموس فتقيم ابناً مكملًا إلى الأبد" (عب7: 28).

إله العهدين

 البعض يتصورون أن إله العهد القديم يختلف عن إله العهد الجديد. ولكن الله لم يتغيّر، وهذا هو السبب في الوصول بالإنسان إلى وصايا الكمال التي للعهد الجديد.
الفرق بين شريعة العهد القديم وشريعة العهد الجديد يجعلنا نشعر بقيمة الفداء والتجديد الذي أجراه السيد المسيحبموته المحيى، وبإرساله للروح القدس حسب وعد الآب لخلاص المؤمنين.
لم يكن من الممكن أن يطالب الله الإنسان بأكثر مما طلبه منه في شريعة العهد القديم مثل وصية "تحب قريبك وتبغض عدوك" (مت5: 43). لأن محبة القريب في حد ذاتها لم تكن سهلة على الإنسان الذي عاش في العداوة مع الله ومع نفسه ومع أخيه الإنسان.
هذه العداوة القديمة التي سببتها الخطية قد هدمها السيد المسيح بصليبه المحيى مثل قول الكتاب "ويصالح الاثنين في جسد واحد مع الله بالصليب قاتلًا العداوة به" (أف2: 16).
لم يكن الإنسان أيضًا في العهد القديم يملك سيف الروح الذي قال عنه السيد المسيح "أُعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها" (لو21: 15) وقال أيضًا: "لستم أنتم المتكلمين بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت10: 20). ولذلك كان أسلوب الإنسان المتعبد لله في مقاومته لحروب الوثنيين يختلف في العهد القديم عنه في العهد الجديد.
الله لم يتغيّر، ولكن حال الإنسان هو الذي تغيّر بمصالحته مع الله وبتجديده "بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" (تى3: 5).

الناموس والأنبياء

 قال السيد المسيح لتلاميذه بعد الصلب والقيامة: "لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى في ناموس موسى والأنبياء والمزامير" (لو24: 44)
وبهذا أوضح الرب أهمية أسفار العهد القديم، وأنها موحى بها من الله، وأنها كلام إلهي، كل ما فيه صدق ولابد أن يتحقق.
وعندما ظهر لتلاميذه بعد القيامة "حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب" (لو24: 45).

إن كتب العهد القديم في شهادتها للسيد المسيح وكل ما يخص رسالته الخلاصية هي من أعظم الأدلة على صدق الديانة المسيحية.. لأن الله قد سبق فأنبأ بفم أنبيائه القديسين عن "الخلاص الذي فتش وبحث عنه أنبياء الذين تنبأوا عن النعمة التي لأجلكم باحثين أي وقت أو ما الوقت الذي كان يدل عليه روح المسيح الذي فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها. الذين أُعلن لهم أنهم ليس لأنفسهم بل لنا كانوا يخدمون بهذه الأمور التي أُخبرتم بها أنتم الآن بواسطة الذين بشّروكم في الروح القدس المرسل من السماء" (1بط1: 10-12).








59- لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة


بعد أن أوضح السيد المسيح أنه لم يأت لينقض الناموس أو الأنبياء، وأنه ما جاء لينقض بل ليكمل. أكد هذه الحقيقة بقوله:
"فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت5: 18).
ورد في إنجيل القديس يوحنا قوله أن "الناموس بموسى أعطى وأما النعمة والحق فبيسوع المسيح صارا" (يو1: 17).
استلم موسى النبي الوصايا العشر المكتوبة بأصبع الله على لوحين من حجارة.
وأعطاه الرب تعاليم أخرى كثيرة تظهر قداسة الله ومقاصده وتدابيره من نحو البشر. وكانت الوصايا والتعاليم المعبّرة عن المقاصد الإلهية هي بإلهام من الروح القدس. وهذا الإلهام هو أمر فائق للطبيعة يتجاوز قدرات الإنسان الطبيعية، ويتجاوز اعتبارات الزمان والمكان "لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس" (2بط1: 21).

لذلك فكل كلمة، وكل حرف، وكل نقطة لها مغزاها ومعناها الكبير. خاصة عند كتابة أسفار بلغة يتغير فيها المعنى بتغيير النقاط التي فوق أو تحت الحروف. وهذا معروف في اللغة العبرية، كما هو معروف فياللغة العربية.
وكانت الكلمات الموحى بها من الله تحمل في طياتها مسائل غاية في الدقة والإتقان. وبالرغم من أن كتبة الأسفار المقدسة قد استخدموا اللغة التي يفهمونها، والمعرفة التي تلقونها.. إلا أن 
الروح القدس قد أوحى بما سجلوه من كلمات في اللغات الأصلية للكتب المقدسة لكي تعبر تعبيرًا دقيقًا عن مقاصد الله.
ومن أمثلة أهمية دقة التعبير في الكتاب المقدس، ما أشار إليه القديس بولس الرسول في قوله: "وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله. لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد. وفي نسلك الذي هو المسيح" (غل3: 16). هنا يشير معلمنا بولس الرسول إلى وعد اللهلإبراهيم المدون في سفر التكوين "ويتبارك في نسلك جميع أممالأرض" (تك22: 18). ومن الواضح أن الكلمة كما وردت في النص الأصلي بصيغة المفرد "نسلك" وليس في صيغة الجمع "الأنسال". ويؤكد القديس بولس أن المقصود هو شخص السيد المسيح على وجه التحديد وليس كل نسل إبراهيم.
كذلك في نبوة إشعياء النبي "ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل" (إش7: 14). وردت الكلمة في النص العبري لتعنى "عذراء"وليس مجرد "فتاة"أو "شابة". والكلمة مقصودة لتشير إلى الحبل البتولي بدون زرع بشر للسيدة العذراء في السيد المسيح كقول الملاك ليوسف خطيبها: "أن الذي حُبل به فيها هو من الروح القدس" (مت1: 20). وبالرغم من غرابة التعبير في وقت كتابته في زمن إشعياء النبي إلا أن الروح القدس قد قصد ذلك بصورة مؤكّدة.
لقد تحققت جميع أقوال الله في الكتب المقدسة، وكان الناموس ضروريًا للتمهيد لمجيء السيد المسيح كقول القديس بولس: "إذًا قد كان الناموسمؤدبنا إلى المسيح لكي نتبرر بالإيمان" (غل3: 24).
فعلًا لم تتحطم الأقوال التي أعلن بها الله مقاصده في الناموس ولذلك قالالسيد المسيح: "إلى أن تزول السماء والأرض، لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت5: 18).
أي سوف تتحقق كل أقوال الناموس ولن تزول حتى تتحقق، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فعبارة "حتى يكون الكل" تُعنى حتى يتحقق كل ما قيل في الناموس، وكل ما أشار إليه الناموس من رموز تشير إلى مجيء السيد المسيح وعمله في خلاص البشرية حتى نهاية الدهر.
لم يكن عبثًا على الإطلاق ما دوّنه موسى في أسفاره الخمسة وسوف تظل أقوال الله مصدرًا للإلهام على مدى الأجيال.

وها نحن نقف في انبهار أمام كلمات داود النبي والملك "اكشف عن عيني فأرى عجائب من شريعتك.. طريق وصاياك فهمني فأناجى بعجائبك.. دربني في سبيل وصاياك لأني به سررت.. أتلذذ بوصاياك التي أحببت. وأرفع يدي إلى وصاياك التي وددت وأناجى بفرائضك.. شريعة فمك خير لي من ألوف ذهب وفضة.. لكل كمال رأيت حدًا. أما وصيتك فواسعة جدًا" (مز118).




60- من نقض إحدى هذه الوصايا


 بعد أن تكلّم السيد المسيح عن شريعة الكمال المسيحية في ضوء شريعة العهد القديم التي شهدت للمسيح ومهدت لمجيئه ولشريعته الكاملة قال: "فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلّم الناس هكذا يُدعى أصغر في ملكوت السماوات. وأما من عمل وعلّم فهذا يُدعى عظيمًا في ملكوت السماوات. فإني أقول لكم إنكم إن لم يزِد بركم على الكتبة والفريسيين، لن تدخلوا ملكوت السماوات" (مت5: 19، 20).


 يقول 
معلمنا بولس الرسول عن مثل هؤلاء: "لأنهم إذ كان يجهلون بر الله، ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله لأن غاية الناموس هي المسيح للبر لكل من يؤمن" (رو10: 3، 4).ما هو بر الكتبة والفريسيين؟

أي أن الكتبة والفريسيين قد أرادوا أن يثبتوا بر أنفسهم بممارسة بعض الأمور الشكلية في الناموس ولم يبحثوا عن قصد الله الحقيقي من الوصية كقول بولس الرسول أيضًا: "وأما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء، الأمور التي إذ زاغ قوم عنها انحرفوا إلى كلام باطل يريدون أن يكونوا معلمي الناموس وهم لا يفهمون ما يقولون ولا ما يقررونه" (1تى1: 5-7). باسمالناموس صلب الكتبة والفريسيون السيد المسيح لأنهم زاغوا عن الحق ولم يفهموا الوصية.
لذلك وبّخ بطرس الرسول اليهود على قساوة قلوبهم واندفاعهم وراء مشورة المرائين فقال: "ولكن أنتم أنكرتم القدوس البار وطلبتم أن يوهب لكم رجل قاتل ورئيس الحياة قتلتموه الذي أقامه الله من الأموات ونحن شهود لذلك" (أع3: 14، 15).
وقد وبّخ السيد المسيح الكتبة والفريسيين المرائين الذي يطيلون الصلوات للتباهي ويعشرون الشبث والنعنع.. وفي نفس الوقت يأكلون بيوت الأرامل وتركوا عنهم أثقلالناموس الرحمة والحق والإيمان (انظر مت23: 23).
كذلك وبَخ القديس بولس الرسول أمثال هؤلاء فقال: "هوذا أنت تسمى يهوديًا وتتكل على الناموس وتفتخر بالله، وتعرف مشيئته، وتميز الأمور المتخالفة متعلمًا منالناموس، وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة، ومهذّب للأغبياء، ومعلّم للأطفال، ولك صورة العلم والحق في الناموس. فأنت إذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك. الذي تكرز أن لا يُسرق، أتسرق؟ الذي تقول أن لا يُزنى، أتزني؟ الذي تستكره الأوثان، أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس تُهين الله؟ لأن اسم الله يُجدّف عليه بسببكم بين الأمم كما هو مكتوب" (رو2: 17-24).
لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه: "إن لم يزِد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلواملكوت السماوات" (مت5: 20). أي أنه ينبغي أن يسلكوا الوصية الإلهية بحسب غايتها الحقيقية وهى المحبة لله وللقريب من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. وحتمًا، يكون هذا الإيمان هو في المسيح الذي أعلن لنا محبة الله وقداسته وصالحنا مع الله أبيه لنسلك في القداسة والوصية الإلهية بكل حرص وبلا لوم.
عن هذا المعنى قال معلمنا بولس الرسول: "وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس، مشهودًا له من الناموس والأنبياء. بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون" (رو3: 21، 22). لم يفرق الله بين اليهود والأمم في دعوة الجميع إلى الخلاص بالإيمان والتوبة والمعمودية والثبات في المسيح.

أما عن قول السيد المسيح: "من نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلّم الناس هكذا" (مت5: 19). فهو يقصد أن الكتبة والفريسيين كما سبق أن شرحنا كانوا ينقضون الوصايا في الخفاء أو العلن. وفي نفس الوقت يعلمون الناس حفظ الوصية. فمثل هؤلاء يسلكون في الرياء ويكونون محتقرين وليس لهم موضع فيملكوت السماوات. أما من عمل وعلّم فهذا يدعى عظيمًا في ملكوت السماوات" (مت5: 19).



61- وصايا الكمال لشريعة العهد الجديد


بعد أن تكلّم السيد المسيح عن أهمية الناموس والأنبياء في التمهيد للعهد الجديد، بحيث يكمل كل شيء ورد في العهد القديم بالعهد الجديد. وعن أهمية حفظ جميع الوصايا بالفعل والقول. وتخطى بر الكتبة والفريسيين بقبول بر الله في المسيح يسوع.. بدأ -له المجد- ينطق بوصايا الكمال التي لشريعة العهد الجديد.
جاءت الموعظة على الجبل مثل خطاب العرش، من صاحب كرسي التعليم الأعظم المذخّر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة والعلم.

وجاءت الموعظة على الجبل لتشهد لروعة وسمو صاحب الرسالة وواضع شريعة الكمال. ولا يفوتنا أن نلاحظ قوله المتكرر "وأما أنا فأقول لكم". لأنه هو صاحب الشريعة ومعطيها.


جميع الحقوق محفوظة لدى مدونة course7 | إتفاقية الإستخدام | Privacy-Policy| سياسة الخصوصية

تصميم : كورس سفن